محمد بن علي الشوكاني
262
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
وأرح نفسك من تلك العبارات التي جاء بها المتكلمون ، واصطلحوا عليها ، وجعلوها أصلا يرد إليه كتاب الله وسنة رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فإن وافقها فقد وافقا الأصول المتقررة في زعمهم ، وإن خالفا الأصول المتقررة في زعمهم ، ويجعلون الموافق لها من قسم المقبول والمحكم ، والمخالف لها من قسم المردود والمتشابه ، ولو جئت بألف آية واضحة الدلالة ، ظاهرة المعنى ، أو ألف حديث مما ثبت في الصحيح لم يبالوا به ، ولا رفعوا إليه رؤوسهم ، ولا عدوه شيئا . ومن كان منكرا لهذا ، فعليه بكتب هذه الطوائف المصنفة في علم الكلام ، فإنه سيقف على الحقيقة ، ويسلم هذه الجملة ، ولا يتردد فيها . ومن العجب العجيب والنبأ الغريب أن تلك العبارات الصادرة عن جماعة من أهل الكلام ، التي جعلها من بعدهم أصولا - لا مستند لها إلا مجرد الدعوى على العقل ، والفرية على الفطرة ، وكل فرد من أفرادها قد تنازعت فيه عقولهم ، وتخالفت عنده إدراكاتهم ، فهذا يقول : حكم العقل في هذا الكلام كذا ، وهذا يقول : حكم العقل في هذا كذا ، ثم يأتي بعدهم من يجعل ذلك الذي يعقله من تقلده ويقتدي به ، أصلا يرجع إليه ، ومعيارا لكلام الله [ تعالى ] وكلام رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقبل منهما ما وافقه